JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
المدونة الشخصية
Black Modern Vlogger YouTube Banner بواسطة hikmet2023 istanbul
الصفحة الرئيسية

واجب القيادة بتفقد الرعية من المنظور القرآني

{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ}

حدثنا القرآن الكريم عن مُلك نبي الله سليمان واتساعه، ورسم لنا صورة فيها من التفرد والروعة والابهار؛ ما قد يستعصي أحيانا على قدرتنا على التخيل.

ومرد هذا الملك العظيم وما فيه من فرادة هو استجابة مالك الملك سبحانه لدعاء نبيه عليه السلام {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}، فكان مُلكا استثنائيا شاملا لكل مقومات القوة والمكنة والمنعة، وهو غير قابل للتكرار، عبر عنه سليمان نفسه كما ورد في قوله تعالى {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ}.

وتصل الصور ة القرآنية إلى الذروة وهي ترسم لنا عظمة هذا الملك عند قول الله تعالى في سورة النمل {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} فكل هذه الاجناس والاصناف المختلفة من المخلوقات تسير في تراتبية عسكرية موحدة؛ وصفوف منتظمة، يرد أولها على آخرها لا ينحرف عنها واحد منهم قيد انملة، نظام مُحكم في المسير ، كما نراه واقعا في الاستعراضات العسكرية التي تقوم بها الجيوش بالممالك العظيمة في عصرنا الحالي.

هذا الملك العظيم الواسع الفريد الثقيل في تبعاته ومهامه وواجباته، لم يكن حائلا بين النبي الملك العظيم وتفقد أصغر وأضعف فرد في الرعية {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ}، يعرف من وفقه الله لرؤية هذا الطائر في الطبيعة صغر حجمه وبساطة شكله بين المخلوقات فضلا عن الطيور، إذ لا تكاد تدركه عينك وتفرق بينه وبين أوراق الشجر إذا ما وقف على واحدة كبيرة منها، فكيف تسنى للملك أن يدرك وسط الاستعراض اليومي للمخلوقات غياب فرد منها هذا حضه من الصغر والبساطة؟!.

هكذا هي المسؤولية في الإسلام، وبذات الدقة والمتابعة والحساسية كان نبينا صلى الله عليه وسلم يتفقد الرعية، ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ، فَأَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا، فَاطْلُبُوهُ فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى، فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: قَتَلَ سَبْعَةً، ثُمَّ قَتَلُوهُ هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ ").

طبيعة فطرية في النفس والمجتمع البشري أن يكون المشاهير؛ من أغنياء ووجهاء وسادة وعلماء وأصحاب مناصب وفضلاء تحت أضواء المتابعة، كما حصل مع الصحابة.

لكن القيادة الربانية تتسامى فوق الطبائع البشرية، وتقتبس من الرب الكريم انوار حركتها، ومنها تستمد الطبائع والسلوكيات والمذاهب والتصرفات، فترتقي في تفقدها للرعية إلى أولئك الشُعث الغُبر الذين إذا حضروا لا يعدوا وإذا غابوا لا يفتقدوا، فتضعهم في مصاف مشاهير المجتمع وتلفت إليهم الأنظار، وهم على قدم المساواة سواء بسواء.

حين تتماهى القيادة مع الطبيعة الاجتماعية الجمعية، وتصبح راعية للوجهاء ومظلة للنبلاء، وتفقد حساسيتها تجاه البسطاء، تغيب عنها الربانية التي هي ليست تمني ولا تحلي ولا ادعاء، بل هي قول وعمل وعلى نهج الشريعة استواء.

إن من عظيم البلاء الذي ابتلينا به في عصرنا الراهن، هو جيل لايزال يتوالد من القيادات المكتبية التي لا حظ لها من متابعة الرعية، إلا بما تجود به الكتابات والتقارير الورقية، فماذا لو كانت تلك التقارير غير واقعية؟ وماذا عن الفئة المنسية من بسطاء الرعية؟.

منطق القرآن يوجب على كل راعٍ أن يكون على قدر حجم المسئولية التي تولاها، وعظم الأمانة التي وكل بها، وأن يعلم أنه مسئول أمام الله سبحانه وتعالى عنها، وأن الله سائله عما تولاه هل قصر فيه أم وفى، وسيقف بين يدي الله جل وعلا فيسأله سؤالاً دقيقاً عن أمانته، فليعد للسؤال جواباً، وللجواب صواباً.


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    الاسمبريد إلكترونيرسالة